ابن أبي أصيبعة
24
عيون الأنباء في طبقات الأطباء
قال " أبو إسحاق " كالمتعجب : سنة ؟ قال : نعم ، جعلني الله فداك ، وعلة أخرى ( يستخف ) « 1 » بها الناس ، وهي الحصبة « 2 » ، فإني ما أمنت على من أصابته من النكسة سنة ، إلا أن يصيبه بعقبها استطلاق بطن ، يكاد أن يأتي على نفسه ( أو يخرج به خراج كبير ) « 3 » . فإذا أصابه أحد هذين أمنت عليه . قال " يوسف " : ودخل " جبريل " على " أبي إسحاق " يوما بعقب علة كان فيها ، وقد أذن له في أكل اللحم الغليظ . فحين جلس وضعت بين يديه كشكشية رطبة ، فأمر برفعها ، فسألته عن السبب ، فقال : ما أطلقت لخليفة قط حمّ يوما أكل الكشك ( سنة ) « 4 » كاملة . قال " أبو إسحاق " : أي الكشكشين أردت ؟ الذي بلبن أم الذي بغير لبن ؟ قال : الذي بغير لبن ، لا أطلق له أكله سنة ، وعلى قياس هذا ما يوجبه الطب . فليس ينبغي أن يطلق له أكل الكشك المعمول بلبن ، إلا بعد استكمال ثلاث سنين . وحدث " ميمون بن هارون " « 5 » ، قال : حدثني " سعيد بن إسحاق النصراني " ، قال : قال « 6 » " جبريل بن بختيشوع " : كنت مع " الرشيد " بالرقة « 7 » ، ومعه " المأمون " و " محمد الأمين " ولداه ، وكان رجلا بادنا كثير الأكل والشرب ، فأكل في بعض الأيام أشياء خلط فيها ، ودخل المستراح فغشى عليه ، وأخرج فقوى عليه الغشى حتى لم يشك في موته ، وأرسل إلى فحضرت ، وجسست عرقه فوجدته نبضا ( خفيفا ) « 8 » . وقد كان قبل ذلك بأيام يشكو امتلاء وحركة الدم . فقلت لهم : ( لم يمت ) « 9 » والصواب أن يحجم الساعة . فأجاب " المأمون " إليه ، وأحضر الحجام ، وتقدمت « 10 » بإقعاده ، فلما « 11 » وضع الحجام المحاجم عليه ومصها ، رأيت الموضع قد احمر فطابت نفسي ، وعلمت أنه حي « 12 » ، فقلت للحجام : اشرط . فشرط ، فخرج الدم ، فسجدت شكرا لله تعالى .
--> ( 1 ) في أ : " فيستخف " . ( 2 ) الحصبة مرض يصيب الإنسان كالجدرى ، ويحدثان مع هبوب ريح الجنوب صيفا ، وفيه تظهر حمرة في سطح الجلد ، ومن علاماته غلظ الصوت ، وحمرة العين . والوجع في الحنجرة والصدر ، وجفاف اللسان ، وحمرة الجسد ، ودمع العين . وكانت العرب تظن أن الحصبة والجدري مرضا واحدا ، حتى فرق " الرازي " بين المرضين ، بوجع الظهر الذي يصاحب الجدري ، والبثور التي تصاحبه أيضا . انظر : مختصر تاريخ الطب العربي لكمال السامرائي : 2 / 273 . ( 3 ) في أ ، ج ، د : " أن يخرج به جراح كثير " ، والمثبت من ك . ( 4 ) في ج ، د : " جاوز " . ( 5 ) هو " ميمون بن هارون " الكاتب ، كان يجالس " أبا جعفر أحمد بن يحيى بن جابر بن داود البلاذري " المؤرخ ، و " محمد بن عبد الملك الزيات " وزير " المعتصم بالله " . انظر : وفيات الأعيان لابن خلكان : 5 / 94 ، 6 / 24 . ( 6 ) في أ ، ج ، د : " قال لي " ، والمثبت كما في ك . ( 7 ) الرقة : احدى مدن العراق الواقعة على الجانب الشرقي من نهر الفرات ، بالقرب من حران ، بنيت في عهد الإسكندر الأكبر في القرن الرابع قبل الميلاد ، وحكمها الرومان من بعدهم ، ثم الفرس ، حتى سلبها المسلمون منهم ، وكان " سعد بن أبي وقاص " قد أرسل إليها قائده " عياض بن غنم " سنة 17 ه ، فصالح أهلها ، وينسب إليها من العلماء : أبو عمرو هلال بن العلاء بن هلال بن عمرو بن هلال الرقى . انظر : معجم البلدان لياقوت الحموي : 3 / 67 . ( 8 ) في أ ، ج ، د : " خفيا " ، والمثبت من ك . ( 9 ) في أ ، ج ، د : " له تموت " ، والمثبت من ك . ( 10 ) في ج ، د : " وتقدمت إليه " . ( 11 ) في ج ، د : " فلما حجم " . ( 12 ) ساقط في ج ، د .